إخوان الصفاء

213

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الاستقراء والشوق إليها والرغبة فيها ، يتهيأ لها بذلك انتساج ملاحظته فيها في دائرتها ، وحصولها في ذاتها . فإذا تأملت بملاحظتها واستمدادها عادت متمثلة لما رأت في دائرتها أشكالا كما يفعل التلميذ إذا امتلأ من تعليم مفيده ، عاد إلى تمثيل ما تعلم بالتشّه والمحاكاة ، كما يوجد ذلك في الصبيان من محاكاة صنائع آبائهم والتشبّه بهم في أفعالهم . وإنما جعل ذلك في جبلتهم وغريزة عقولهم ليكون قائدا لهم إلى معرفة الصنائع والأعمال لما في ذلك لهم من النفع التام والصلاح العام لعمارة دار الدنيا . فإذا صارت تلك النقوش والأشكال في دائرة النفس ورتبتها في آفاقها وبنتها في دائرتها ، ابتدأت بإلقائها إلى من دونها وتولت إثباتها فيه كثبوتها فيها وكونها عنها ، فابتدأت القوى الطبيعية التي تحيط بالأجساد الهيولانية فتركب منها نقوش صورية وأصباغ نورانية موجودة في أجسام نورانية ، موجودة في أجسام ظلمانية وأجساد هيولانية لتشرق عليها أنوار نفسانية ، وتتحد بها قوى روحانية ، وصارت الحكم الملقاة عليها بقوة ملكية وإرادة فلكية وبقوة عقلية ومشيئة إلهية ، وظهرت الخلقة الآدمية والصور الإنسانية قائمة بالحق ناطقة بالصدق مقرّة بتوحيد الخالق سبحانه وتعالى ، ومقرة بحدوث خلقها ، وإتقان صنعها ، وكمال بنيتها بوجود باريها ما أوجده فيها وقدمه عليها . فهي صورة مماثلة لصورة العالم الكبير فلذلك سميت عالما صغيرا ، ثم ما دونها من صور الحيوانات وعجائب تراكيبها وبدائع تآليفها . وصورة الإنسان لنفسه كتاب مبين وصراط مستقيم في العالم الكبير وهو ما فيه إنسان واحد للنفس الكلبة تدبر أفلاكه وتحرك كواكبه بإذن اللّه تعالى ، ومشيئته وسابق إرادته ، كما يحرك نفس الإنسان الذي هو عالم صغير جميع مفاصل جسده وأعضاء بدنه . واعلم أيها الأخ أن لتلك الحركات النفسانية قوى متصلة بفلك القمر وما دونها من الأركان ومولّداتها وأفعالا تظهر فيها ومنها لا يحصي عددها إلّا اللّه سبحانه وتعالى ، كما أن لنفس الإنسان في جميع بدنه ومفاصل جسده